محمود توفيق محمد سعد

228

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

لنعم اللّه تعالى قد جرت عليهم ضروب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب اللّه سبحانه وتعالى عليهم ، ولمّا كان الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب اللّه سبحانه وتعالى لم يترك اللّه سبحانه وتعالى عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم ، فبيّن لهم في هاته الآية أنّ باب اللّه مفتوح لهم ، وأنّ اللجأ إليه أمر هين عليهم ، وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات . " « 1 » وترى مثل هذا في تبيانه ارتباط قول اللّه سبحانه وتعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( البقرة : 97 ) بما قبلها ، إذ يذكر وجهين من وجوه التناسب والتناسل ، فيقول : " ولمّا ذكر عداوتهم لأخصّ البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب والقتل ، وختم ذلك بعداوتهم لأكمل الخلق ، وأخصهم حسدا حسدا لنزول هذا الذكر عليه عبارة ثمّ إشارة بما رمزه إلى نصبهم لقتله ، وأنهى ذلك بما لا محيص لهم من العذاب ؛ لأنّه بصير بأعمالهم الموجبة له ذكر ما هو دقيق أعمالهم من عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواصّ الملائكة الذين هم خير محض لا حامل أصلا على بغضهم إلّا الكفر ، وبدئ بذكر المنزّل للقرآن [ يعنى المأمور بحمل الوحي وإنزاله : جبريل عليه السّلام ] ؛ لأنّ عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله ؛ لأنّه سبب ما كانت العداوة لأجله ، فقال آمرا له صلّى اللّه عليه وسلّم إعلاما بما أبصره من خفيّ مكرهم القاضي بضرهم ( قل ) . أو يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن - ولمّا أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بما دلّ على كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم ، وأخبر بأنه لا بدّ من عذابهم أمره بدليل آخر على كلا الأمرين ، فعلى تقدير كونه دليلا على الأول يكون منسوقا على ( قل ) الأولى بغير عاطف إشعارا بأنّ كلّا من الدليلين كاف فيما سيق له ، [ و ] على تقدير كونه دليلا على الثاني الذي خصّه يكون جوابا لمن كأنّه قال : لم لا يزحزحهم عن التعمير عن العذاب " « 2 » فهذا من البقاعي تقليب لوجوه النظر وسعي إلى تتبع منابع العلاقة بين الآيات لما يتسم به البيان القرآن الكريم من تعدد وجوه البيان سواء المتحقق من نظمه التركيبي ، أو الترتيبي ، بل الترتيبي أكثر وألطف ويقول في بيان علاقة قول اللّه سبحانه وتعالى :

--> ( 1 ) - التحرير والتنوير : للطاهر بن عاشور : 1 / 531 - ط : تونس ( 2 ) - نظم الدرر : 2 / 64 - 65